ابن أبي الحديد
21
شرح نهج البلاغة
أحد منهم أنه هرب حين هرب عثمان ولا إلى الجهة التي فر إليها عثمان ، وإنما هرب معتصما بالجبل ، وهذا ليس بعيب ولا ذنب ، لان الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله اعتصموا بالجبل كلهم واصعدوا فيه ، ولكن يبقى الفرق بين من أصعد في الجبل في آخر الامر ومن أصعد فيه والحرب لم تضع أوزارها ، فإن كان عمر أصعد فيه آخر الامر ، فكل المسلمين هكذا صنعوا حتى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن كان ذلك والحرب قائمة بعد تفرق . ولم يختلف الرواة من أهل الحديث في أن أبا بكر لم يفر يومئذ ، وأنه ثبت فيمن ثبت ، وإن لم يكن نقل عنه قتل أو قتال ، والثبوت جهاد وفيه وحده كفاية . وأما رواة الشيعة فإنهم يروون أنه لم يثبت إلا علي وطلحة والزبير وأبو دجانة وسهل بن حنيف وعاصم بن ثابت ، ومنهم من روى أنه ثبت معه أربعة عشر رجلا من المهاجرين والأنصار ، ولا يعدون أبا بكر وعمر منهم . روى كثير من أصحاب الحديث أن عثمان جاء بعد ثالثة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله إلى أين انتهيت ؟ فقال : إلى الأعرض ، فقال : لقد ذهبت فيها عريضة ( 1 ) . * * * روى الواقدي قال : كان بين عثمان أيام خلافته وبين عبد الرحمن بن عوف كلام ، فأرسل عبد الرحمن إلى الوليد بن عقبة فدعاه ، فقال : اذهب إلى أخيك فأبلغه عنى ما أقول لك ، فإني لا أعلم أحدا يبلغه غيرك . قال الوليد : أفعل . قال : قل له يقول لك عبد الرحمن ، شهدت بدرا ولم تشهدها ، وثبت يوم أحد ووليت ، وشهدت بيعه الرضوان ولم تشهدها ، فلما أخبره قال عثمان : صدق أخي ، تخلفت عن بدر على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مريضة فضرب لي رسول الله صلى الله عليه وآله بسهمي وأجرى ، فكنت بمنزلة من
--> ( 1 ) في النهاية لابن الأثير : " وفي حديث أحد قال للمنهزمين : لقد ذهبتم فيها عريضة ، أي واسعة " .